الشيخ محمد رشيد رضا

349

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القسم فجعل طلبهما القسم كالقسم ، وإنما يعلم مثل هذا بالنقل عن المعصوم ولو قيل إنه هو الذي عرض عليهما ان يقسم لهما وطلب منهما أن يقسما له وبنى قسمه على ذلك لكان أب إلى المألوف * * * ( فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ ) دلى الشيء تدلية - أرسله إلى الأسفل رويدا رويدا لان في الصيغة معنى التدريج أو التكثير - أي فما زال يخدعهما بالترغيب في الاكل من الشجرة والقسم على أنه ناصح بذلك لهما به حتى اسقطهما وحطهما عما كانا عليه من سلامة الفطرة وطاعة الفاطر بما غرهما به ، والغرور الخداع بالباطل وهو مأخوذ من الغرة ( بالكسر ) والغرارة ( بالفتح ) وهما بمعنى الغفلة وعدم التجربة كما حققناه بالتفصيل في تفسير ( 6 : 111 يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) واستشهدنا عليه بخداع الشيطان لآدم وحواء في مسألتنا « 1 » وقيل دلاهما حال كونهما متلبسين بغرور ، والأول أظهر . والظاهر أنهما اغترا وانخدعا بقسمه وصدقا قوله لاعتقادهما أن أحدا لا يحلف باللّه كاذبا ، واستنكر بعضهم أن يكونا صدقاه واستكبر ان يقع ذلك منهما ، وزعم أن تصديقه كفر ، ورجح هؤلاء ان يكون الغرور بتزيين الشهوة ، فان من غرائز البشر حب التجربة واستكشاف المجهول ، والرغبة في الممنوع ، فجاء الوسواس نافخا في نار هذه الشهوات الغريزية مذكيا لها ، مثيرا للنفس بها إلى مخالفة النهي ، حتى نسي آدم عهد ربه ، ولم يكن له من العزم ما يصرفه عن متابعة امرأته ، ويعتصم به من تأثير شيطانه ، كما قال تعالى في سورة طه ( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ) وفي حديث أبي هريرة في الصحيح « ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها » بناء على أنها هي التي زينت له الاكل من الشجرة والمراد أن المرأة فطرت على تزيين ما تشتهيه للرجل ولو بالخيانة له ، وقيل إن ذلك بنزع العرق أي الوراثة . ( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) أي فلما ذاقا ثمرة الشجرة ظهرت لكل منهما سوأته وسوأة صاحبه وكانت مواراة عنهما ، قيل بلباس من الظفر كان يسترهما فسقط عنهما ، وبقيت له بقية في رؤوس أصابعهما ، وقيل بلباس مجهول كان اللّه تعالى ألبسهما إياه ، وقيل بنور كان يحجبهما ولا دليل على شيء من ذلك ولم يصح به أثر عن المعصوم ( ص ) والأب

--> ( 1 ) يراجع ( ص 7 ) في أول هذا الجزء